0

لا يمكن اعتباره مجرد مخرج عابر في تاريخ السينما العالمية، فلم تكن حياته الإنسانية أو الفنية على محمل من الهزل، أو الأعمال التي يمكن اعتبارها مجرد أعمال يتم عرضها على الشاشات، يمكن الاحتفاء بصانعها بشكل بسيط، بل هو واحد من أهم مخرجي الستينيات والسبعينات من القرن الماضي، وصاحب الرؤية  التي كانت السبب في نهاية حياته، إنه المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني.

أنقذ حياة موسيولويني 

نشأ المخرج بيير بازوليني حياته بين أم معلمة وأب ضابط في الجيش، ويشهد له الجميع بأنه هو من قام بإنقاذ القائد الإيطالي موسويليني من الموت، ولد عام 1922، بعد زواج والديه بعام واحد، وجاء اسمه مطابقًا لاسم شقيق والده، ورغم منصب والده، إلا أنه اعتقل الأخير بسبب الديون لممارسته القمار.

لم يكن بيير بازوليني مخرجًا فحسب، بل إنه أيضًا شاعر وكاتب وصحفي، كما أنه اهتم بالرسم والسياسة والحياة العامة، وكانت أعماله دائمًا ما ترتبط بالمعدمين ماديًا وأصحاب المآسي الإنسانية، وبالتالي تم تصنيفه بين جيله بأنه منفرد عما يُقدم، وأنه صاحب الثقافة المتميزة التي ليس مثلها أحد.

بدأ بازوليني كتابة الشعر وهو في عمر السابعة، وتأثر بأعمال الشاعر آرثر رامبو، وكان هذا عام 1933، ومع تعدد انتقاله من مكان إلى آخر، بدأت مداركه الأدبية في التوسع وتأثر أيضًا في مراحل عمره المختلفة بكل من ديستوفسكي، تولستوي، شكسبير، كولريدج، نوفليز.

مع تقدم بازوليني في العمر أصبحت قصائده الشعرية أقرب إلى الاحتجاج والسخط والغضب تجاه كل ما هو مقدس في ذلك الحين، سواء كان الجانب السياسي المتهتك حينها، والذي أنهك إيطاليا دولةً وشعبًا، أو الديني الذي حاول السيطرة على البلاد وأغرق المجتمع في الظلمات.

بازوليني في عالم الكتابة

لاقت كتب ومؤلفات بازوليني الكثير من الأحكام الصارمة، بين أوساط المحافظين والمتشددين في إيطاليا، والتي كانت بدايتها عام 1955، برواية “أبناء الحياة”، والتي قام بالكشف عن حياة شاب بائس في إحدى أنحاء أوروبا، ولكن بطريقته وفلسفته الخاصة التي لا تنال إعجاب معارضيه بالطبع وتسببت بالهجوم عليها، وتم اتهامها أنها منافية للأخلاق حينها، لما تتضمّنه من ألفاظٍ كانت تُعتبَر وقتذاك خارجة عن إطار السياق الأخلاقي، حسب مزاعم معارضيه.

ثم بعدها أصدر مجموعة من الدواوين الشعرية وهي “رماد غرامشي 1957″، “روما 1950″، “يوميَّات 1960″، “تجاوز وتركيب 197″، “الفتوَّة الجديدة 1975″، “عندليب الكنيسة الكاثوليكيَّة 1958″، “ديانة زمني 1961″، و “أشعار على شكل وردة 1964”.

أفلام الفولكلور والجنس والعنف السادي

يقال عن سينما بيير بازوليني إنها أشبه بالقصيدة الشعرية، وليست مجرد عمل سينمائي فقط، حيث أن مشاعره في الأفلام التي قدمها، لم تختلف في أفكارها عن أفكار الشعر، التي هاجم بها الحياة السياسة في روما، -التي وقعت بين حكم اليمين واليمين المتشدد- وحاول بازوليني أن يعبر عما يدور في وطنه، وكان هذا عن طريق الجنس والحديث في السياسة والدين.

صدر فيلم “The Gospel According to St. Matthew“، عام 1964، وأقنع بيير بازوليني القيادة الدينية أنه سيقوم بتجسيد دور المسيح كما أُنزل في الإنجيل، ولكنه فاجأ القيادات الدينية حينها بأنه جسد المسيح من وجهة نظره هو، مما حول الأمر ضده إلى غضب ديني كبير.

وحصل فيلم “Accattone“، أو بالعربية أكاتوني، وتم إنتاجه عام 1961، على جائزة البافتا لأفضل ممثل دور رئيسي، جسد من خلاله حياة قواد لم يقوَ على العمل بنفسه، فيجذب الفتيات للعمل بالدعارة، وتتوالى مشكلاتهم ليحلم بأنه يموت ميتة غريبة ويُقتل بعدها.

أما فيلم “ماما روما” mama roma، والذي تم إنتاجه عام 1962، فقد عبر هذا العمل عن حالة الفقر المضجع الذي تعيشه إيطاليا، ورابطًا ذلك الجنس بالقطع كما اعتاد أن يقدم في جميع أعماله، حيث دارت أحداث العمل حول سيدة تمارس الدعارة لكي توفر لنجلها المال لإكمال تعليمه، وهي تعيش بأحد الأحياء الفقيرة.

وفيلم” Theorem“، وهو أول فيلم بازوليني يتم التعامل فيه مع ممثلين محترفين مبتعدًا عن الهواة، وتم إنتاجه عام 1968، وواجه من خلال هذا العمل الطبقة البرجوازية في إيطاليا، ممثلًا إياهم بالقوة الإلهية، وحصل هذا الفيلم على جائزة كأس فولبي لأفضل ممثلة.

مع ثقافة بازوليني الكبيرة والتي جعلته متطلعًا على ثقافات متعددة، جسد من خلال فيلم “ميديا” الذي عُرض عام 1969، رواية عن الأسطورة اليونانية ميديا، وهي ساحرة شهيرة وكانت ابنة أيتس ملك كولخيس، وكان أبوها قد رماها في السجن بعد أن خاف من سحرها، الذي استخدمته في الهرب وهربت إلى معبد هيليوس إله الشمس وهو جدها كما تزعم.

فيلم لبازوليني

ووقعت في حب جاسون زعيم الأرغونوت الذي وصل لكولخيس في ذلك الوقت، وساعدته على الهرب، وعندما عادا إلى ثيساليا خدعت عم جاسون المدعو بيلياس وقتلته بعد أن وعدته برد شبابه.

كانت من أهم أفلام بازوليني هي “ثلاثية الحياة”، وهو عن رواية تحمل ذات الاسم في القرن الرابع عشر، مكونة من ثلاثة أجزاء، للشاعر الإيطالي جيوڤاني بوكاتشيو، والذي صدر الجزء الأول منه عام 1971، تحت اسم “Il Decameron“، ودارت أحداث هذا العمل حول الشباب والجنس والموت وكان بالطبع مواجهة صارخة في وجه المجتمع الذي تميز في هذه الفترة بالعفة الدينية الكاذبة.

احتوى الفيلم على 8 حكايات، مختلفة لمجموعة من الشباب منهم من يسخر من الموت، حيث قام أحد الشباب بسرقة راهب في تابوته بعدما اتّفق مع رجليْن على السّرقة وتركاه عالقًا في التّابوت، وسخر من الدين عن طريق قيام أحد الشباب، كجنائني لدى راهبات، ادّعى أنّه أصم وأبكم كي يقبلن به ويمارسن الجنس معه، تحرّشن به كلّهن ومارسن معه الجنس إلى أن تكلّم متمرّدًا قائلًا إنّه أراد ذلك لكنّ لم يتوّقعه إلى هذه الدرجة.

وحصل من خلال هذا الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان برلين السينمائي.

I racconti di Canterbury“، هذا الفيلم تم عرضه عام 1972، وهو الجزء الثاني من ثلاثية الحياة، والتي اعتمد بها أيضًا على مجموعة من الهواة، وكان هذا العمل أكثر جرأة في الحديث عن الجنس، والاهتمام بالتفاصيل الجسدية الجنسية، كما أنه ناقش أيضًا المثلية الجنسية في هذا العمل، وقد نال هذا العمل جائزة الدّب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.

أما الفصل الأخير والذي حمل اسم “ألف ليلة وليلة“، أو “Il fiore delle Mille e una Notte“، والذي يعد من أهم أفضل أفلام بازوليني، والذي تم إنتاجه عام 1974، حاول به مناقشة جانب مختلف تمامًا عما حدث في الجزأين السابقين، حيث دارت أحداث هذا الفيلم في الشرق الأوسط، ومع ذوات ديانة إسلامية، حيث جاءت قصته حول نور الدّين الذي يقع في حبّ عبدة اسمها زمرّد، تطلب أن يشتريها هو، يتسبّب بخطفها فيدور البلاد باحثًا عنها كالمجنون، لكنّها تكون قد دبّرت هربها، تنكّرت كرجل وصارت ملكًا. حكايات أخرى تتوالى، كآخر يقيم علاقة مع امرأة يوم زواجه وآخر يسعى لإنقاذ فتاة من الشّيطان، ثمّ نعود إلى نور الدّين الذي يتابع بحثه عن عشيقته وعبدته.

وكان من أفضل أفلامه أيضًا، فيلم Salò أو سالو، وهو إنتاج فرنسي إيطالي، وتم إنتاجه عام 1975، وهو من تأليف وإخراج بيير بازوليني.

فيلم لبازوليني

مأساة النهاية 

بالطبع كانت حياة بازوليني مهددة طوال الوقت بسبب أفكاره التي طرحها في أعماله، سواء كانت في السينما أو الشعر، فهو المغضوب عليه دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا بسبب أفكاره، ومناصرته للفقراء والكادحين والبحث وراء مشكلاتهم، وكان من الطبيعي أن تكون نهايته أيضًا شبيهة لأفلامه التي كافح معها.

ففي عام 1975، عُثر خارج مدينة روما، بأحد الأماكن المخربة والمليئة بالقمامة وبقايا حطام السيارات ومستودعات الغاز، على جثة الشاعر والسينمائي الشهير بيير باولو بازوليني، وعليها آثار واضحة لمرور عجلات سيارة فوقها عدة مرات، واتهم بقتله شاب يدعى جيوسيبي بيلوسي اعترف بأنه قتل بازوليني.

ولكن لم تنتهِ الرواية عند سرقة هذا الشاب للسيارة، ليكون هذا هو الغرض من قتل واحد مثل بازوليني، لكن القاتل عاد عام 2005 واعترف بأنه قتل بازوليني بالاشتراك مع آخرين ورفض الإفصاح عن أسمائهم، مؤكدًا أنه كان شيوعيًا وذا ميول جنسية مثلية ويستحق ما حدث له.

وقد عثر على جثة بازوليني ممزقة، حيث تم التمثيل بها، ووجدت إحدى أذنيه مقطوعة، وكبده ممزقًا، وعظامه محطمة، مما يؤكد روايته الأخيرة بأنه تم قتله لأغراض سياسية ودينية وليس بغرض السرقة. اتهم اليسار الإيطالي وقتها الفاشيين الجدد بقتل بازوليني، بعد زيادة حدّة هجومه عليهم خاصة في فيلمه الأخير سالو.

اقرأ أيضًا: أشهر أفلام أثارت الجدل على مدار التاريخ

0

شاركنا رأيك حول "بيير بازوليني.. عبقري السينما المغضوب عليه"