لماذا تفشل الأعمال التاريخية والدينية في اجتذاب الجمهور؟

مسلسلات وأفلام تاريخية
0

مقال بواسطة/ محمد حمدي

في ثقافتنا نحن المجتمعات الشرقية يوجد تداخل في تصنيف الأعمال الفنية تحت النوع التاريخي أو الديني؛ وذلك لكون بلادنا كثيرًا ما مثلت مهبطًا للوحى ومحلًا للأنبياء، وطالما كان الدين هو محرك رئيسي للأحداث الكبرى هاهنا، والتي هي جزء من التاريخ لا يسعنا فصله عنه.
ورغم ما قد يتمتع به العمل الفني التاريخي أو الديني لدينا من جذب وإبهار ونوع من الخلود وطول العمر نسبيًا إذا ما وفرت له عوامل النجاح وذلك في العالم أجمع، إلّا أنّه من زاوية أخرى قد لا تتوافر له حتى عوامل الخروج من حيز المشروع على الورق، وكثيرًا ما يفشل العمل الفني من هذا النوع على المستوى الإنتاجي أو يفشل حتى في اجتذاب الجمهور، حتى باتت تلك ثقافة وظاهرة.
وعلى كل حال، فإنّ إشكالية العمل الفني الديني أو التاريخي هي في كونه نوع من الفنون كغيره من ناحية العوامل التي تكفل له النجاح بتوفرها، وتضيره بنزعها منه، وتتعدد عوامل القوة والضعف تلك بين عوامل تخص الإنتاج والماديات والتنفيذ، وأخرى تخص الجوانب الفنية البحتة، وعليه ومن ذلك التالي.

(1) علاقتنا باللغة العربية

مسلسل هولاكو
اللغة العربية محورية في الأعمال التي تحاول تجسيد حقب تاريخية معينة تشمل معظم تاريخنا ربما باستثناء القرون الثلاثة الأخيرة، وبالتالي يمثل الضعف العام في علاقة مجتمعاتنا باللغة العربية سبب مقنع لكي لا يكون العمل المقدم بها هو الخيار الأول للكثرة الكاسحة من الجمهور.
وتشتمل مشكلة تقديم اللغة العربية في تلك الأعمال على جانبين رئيسيين: فهي إمّا صعبة وجافية ليست سلسة أو مسعفة ولا ذات وقع، وتمثل حمل إضافي على المتابع العادي مقارنةً بالعمل الذي يروي فترة حية نعيشها، أو هي على جانب آخر لغة ركيكة مخلوطة بعامية تهبط بمستوى العمل، وباعتقادي أنّه كثيرًا ما يكن ضعف اللغة ناتج أولًا عن خيال المؤلف، وضعف النص قبل ضعف ناطقيه.

(2) غياب النجم

فيلم الناصر صلاح الدين أحمد مظهر

بينما تتصف تلك الأعمال بحفاظها على مجموعات معينة من الممثلين غالبًا ما يكونون غير مشهورين بشكل كاف، ومحصورين في تلك النوعية من الأعمال؛ وذلك الحفاظ بسبب كون هؤلاء الممثلين غالبًا ما يكونون متخصصين في هذه الأعمال لما تتطلب من أشخاص متمكنين من اللغة، وكذلك بعض المهارات التي تتطلب تدريبًا كركوب الخيل واستخدام السلاح.
في حين أنّ اسم النجم غالبًا ما يستخدم لتسويق العمل الدرامي أو السينمائي وبقوة، بل وأحيانًا يطغى النجم على الشخصية التي يؤديها، فمن منا لا يخطر بباله أحمد مظهر بمجرد ذكر اسم شخصية تاريخية كصلاح الدين.

(3) التكلفة العالية

مسلسل سرايا عابدين

غياب النجم الذي يسوق العمل باسمه في الأغلب مرتبط بعدم تحمس شركات الإنتاج والقنوات لذلك العمل، وواحد من أول الأسباب التي تحبط هذه النوعية مبكرًا أيضًا هو عظم تكلفة تلك الأعمال لما تحتاجه من إمكانيات تزيد على ما يحتاجه العمل العادي مثل: السفر والأبنية والديكورات والألبسة والإكسسوار والأسلحة والحيوانات ومواقع التصوير، وأحيانا المؤثرات البصرية، فهي تتطلب مجازفةً كبيرةً
يزيد على ذلك التوقع المسبق بضعف ما قد تحققه من نجاح وهو اتجاه ظل سائد لفترة كبيرة حتى أنّ صناعة السينما التاريخية متوقفة في مصر منذ فترة طويلة، وصناعة الدراما بدأت تتوقف تدريجيا، وعلاوةً على ذلك لا تفلح في الترويج لمثل هذه المسلسلات أو إذاعتها إلّا في موسم رمضان وعلى قنوات بعينها، وفي أوقات عرض غير جذابة ولعدد مرات أقل.
وعدم الحماسة لإنتاج مثل هذه الأعمال هو بعينه الدائرة المفرغة من حيث أن عدم التحمس، وبالتالي عدم التواجد وضعف السوق وتوقع الفشل يؤدي للفشل بالفعل، أو لعدم محاولة إحياء تلك النوعيات من الأصل.

(4) طغيان السياسة على الحياة

مسلسل حريم السلطان

بدليل تحقيق مسلسل ” القرن العظيم المعروف بحريم السلطان ” نجاحًا كبيرًا في خارج تركيا والوطن العربي وحتى في العالم غير الإسلامي، وبعيدًا عن التشويه الذي خلفه المسلسل للدولة العثمانية ولشخصية سلطان يعد ثاني أهم سلاطينها حتى أن ذلك يخرجه عند البعض عن كونه مسلسل تاريخي، فإنّ ميل العمل الدرامي للناحية الحياتية وتقديم الأشخاص كبشر لديهم مخاوف ومشاعر وطموحات ويتصرفون ويتحدثون مثلنا يساهم في تقريبه من القلوب، وذلك على عكس ما يحدث غالبًا بسبب كتابات أشخاص لم يهضموا التاريخ بشكل كاف ليقدموه لنا في صورة دراما.

(5) تأثير الخيال على الحدث

مسلسل سرايا عابدين

أي طغيان خيال المؤلف والمخرج على الحدث التاريخي، ورضوخهما رضًا أو جبرًا للضرورة الدرامية ووجهات النظر الدرامية أو السياسية لدرجة تخرج العمل حتى عن الخطوط العريضة للأحداث بما يلغي واقع التاريخ وحقيقته.
يقول د. قاسم عبده قاسم في كتابه ” بين الأدب والتاريخ ” : ” يستغل الروائيون حرية الفن وانطلاق الإبداع الأدبي لكي يمزجوا بين حقائق التاريخ وجماليات الإبداع، ويكون عملهم أنجح ما يكون عندما يحققون التوازن بين الصدق التاريخي والصدق الفني. ”
وأكثر ما نجد هذا التشويه أو التلميع وقلب الحقائق والتأويل في الأعمال التي تختص بتاريخ الأمة في المائة عام الأخيرة، والذي يطال شخصيات وكيانات، ومع ذلك لا تسلم منه فترات التاريخ الأقدم حتى عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – ولدينا تاريخ حافل من الأعمال التي تضيف وتحذف وبعضها ترجح روايات ضعيفة أو تقدم قصصًا وشخصيات مختلقة بالكامل خدمة لفكرة مسبقة يراد التأكيد عليها، ويجيز الكثيرون التلاعب بالتاريخ بدرجات مختلفة لصالح إنتاج عمل فني جيد، وبرأيي لا يحق لهم ذلك إلّا بشروط، ولك أن تتساءَل هل يحق لهم هذا في مجتمعات وشعوب يأخذ جلها التاريخ من الأعمال السينمائية والدرامية !

https://www.arageek.com/2014/09/24/historical-series-battle.html

(6) أحيانًا لأنّنا نعرف القصة من قبل

مسلسل الظاهر بيبرس

فالسيرة النبوية وبداية الدعوة مثلًا هي من أكثر الفترات التي تعرضت للسرد وإعادة التجسيد في سينما ودراما مجتمعاتنا الدينية والتاريخية؛ لما لها من خصوصية.
وبالتالي فكونك تتناول نفس المواضيع غالبًا يجعل من المتوقع أنّها كانت تقدم في كل مرة من زاوية مختلفة احترامًا للمشاهد وخدمة للإبداع، ولن يحدث ذلك إن لم يصدر العمل الفني من أشخاص محبين للتاريخ مستوعبين له تمام الاستيعاب، فنرى الأغلب الأعم من أفلام النصف الثاني من القرن العشرين مثلًا، والتي كبرنا ونحن نشاهدها في المناسبات الدينية – ودون التعرض لتفاصيلها – ما هي إلّا سرد قبيح وتلفيق واضح للتاريخ وأحيانًا لا تثير فينا الآن عند مشاهدتها إلّا السخرية سيرًا على خط الجملة الشهيرة التي آسف لأن أذكرها ” نأخذ من كل رجل قبيلة “، يسري ذلك على ما يتعلق بالسيرة منها وغيره، وتطبيقنا للفكرة على فترات تاريخية أخرى سيظهرها أكثر، حيث لا تتحمل كل فترات التاريخ أن تعاد مرة تلو الأخرى. لذا، فمن عادة الأفلام التاريخية أن تمثل ملاحم تعيش أعمارًا طويلةً مقارنة بغيرها.

(7) وأحيانًا لأنّنا لا نعرفها

مسلسل ربيع قرطبة

وعلى العكس قد يرتبط فشل العمل الدرامي بالضبابية التي تتسم بها فترات تاريخية كثيرة لم تتعرض للتقديم – ولو مشوهة – بقدر ما تعرضت له السيرة، فماذا لو تناقشنا حول إصدار سلسلة أفلام تاريخية في مصر تتناول تاريخ الأندلس أو الممالك الإسلامية التي أقيمت في عمق أفريقيا، ألن تعد تلك مغامرة على كل حال ؟؟
وفي تلك الحالة فإنّ القفزات في الأحداث، وتفريغ الشخصيات الجديدة أمامنا دفعة واحدة وبدون مقدمات سيخلف نتائج سلبية، فكون الفترة التاريخية التي نتحدث عنها نفسها غير معروفة بشكل مناسب على قدر ما قد يخدم العمل قد يضره، وينتج ذلك غالبًا من المعالجات السطحية للدقائق والغفلة عن توصيل الظروف المحيطة بالمرحلة التاريخية والمشاعر والأفكار المسيطرة على الناس فيها، ويتحمل هذا كل من المؤلف والمخرج والمدققين، ويمكنك القول إن شئت يتحمله كل مسؤول عن التعليم والتثقيف في المجتمع.

تختلف الدراما أو السينما عن الكتب في تقديم التاريخ اختلافًا كبيرًا بطبيعة الحال، فالعمل الفني غالبًا ما يحمل وجهة نظر الجهة القائمة عليه بشكل أكثر وضوحًا من التاريخ المكتوب، ويحمل بالإضافة لذلك العديد من التعقيدات والأفكار المسيطرة التي تبرر لهم عند البعض ما يقررونه من تغييرات، كفكرة الضرورة الدرامية ووجهة النظر ومتطلبات السوق وغيرها.
ولطالما كانت الريادة للثنائي مصر وسوريا في إنتاج في تلك النوعيات، وفي السنوات الأخيرة تم تنشيط السوق العربي بعدد من الأعمال التاريخية والدينية اجتذبت الناس رغم معارضة بعض الحكومات ورجال الدين لها عندنا أو في البلاد التي أنتجتها، وأخص بالذكر المسلسلات الدينية الإيرانية، والمسلسلات والأفلام التاريخية التركية، وهذا إن دل إنّما يدل على أنّ تراجعنا عن تلك النوعيات هو لأسباب كثيرة منها ما ذكرناه آنفًا، ولكن لا يمكن القول بأنّ أحدها هو كونها لا تجذب الجمهور.

0

شاركنا رأيك حول "لماذا تفشل الأعمال التاريخية والدينية في اجتذاب الجمهور؟"