فيلم ريش
0

أصبح مهرجان الجونة منذ تأسيسه عام 2017، معقلًا للتريندات والقيل والقال، ولم يختلف الوضع في مهرجان هذا العام. فبدأ الحديث أولًا عن فساتين الفنانات- كالمعتاد- والجدل عن جدوى مهرجان المفترض أنه عن السينما لكن لم نستفد منه سوى بمعرفة آخر صيحات الموضة. وظننا أن الأمر سينتهي على ذلك، لكن سلك الجدل مسارًا آخر في اليوم الرابع من المهرجان عند عرض فيلم “ريش” للمخرج عمر الزهيري، والذي فاز بالجائزة الكبرى للنقاد في مهرجان كان السينمائي الدولي، وفرح المصريون، من صناع الأفلام إلى المشاهد العادي حينها، فما الذي اختلف في المهرجان؟

اقرأ أيضًا: أفلام ممنوعة من العرض لأسباب سياسية ودينية وجنسية هل شاهدت أي منها؟

تهمة جاهزة.. الإساءة لمصر

انسحب بعض من “الفنانين المصريين” أثناء عرض الفيلم بدعوى أنه يُسيء لمصر أم الدنيا، بسبب عرضه لحال أسرة في العشوائيات تعاني من الفقر واليأس. ووفقًا لما قاله الممثل شريف منير– أحد المعترضين- أن سبب انسحابه من العرض هو كم القذارة والعذاب اللذين رآهما في الفيلم وكان ذلك مؤلمًا للمشاهدة، وبدافع غيرته على بلده لم يعجبه أن هذا الفيلم لاقى صيتًا عالميًّا ويظهر فيه المصريين بهذا الفقر المدقع، وهو ما لم يعد موجودًا- على حد تعبيره-.

فيلم ريش
الممثل شريف منير وعائلته يحيون علم مصر.

ونتيجة لتصريحه هوجم الممثل شريف منير وغيره من المعترضين على الفيلم- حتى من قِبل من لم يشاهدوا الفيلم وغير المهتمين بالسينما- لكونهم بعيدين تمامًا عن واقع المجتمع المصري المطحون ليحددوا ما الحقيقي وما المزيف، فبالطبع يستغربون من رؤية هذه الأحوال المزرية على الشاشة، فالكمبوندات الراقية التي يسكنون بها لا تسمح بدخول أشخاص على صورة أبطال هذا الفيلم، كما أن وزيرة الثقافة نفسها كرمت هذا الفيلم قبل عرضه بمهرجان الجونة، ولم تقل الدولة أبدًا إنها قضت على الفقر مئة بالمئة، فمن أين جاءت هذه الوطنية الفارغة والثقة المبالغ فيها؟ لا أحد يعرف.

ومع ذلك رد السيناريست أحمد عامر عما نُسب إلى الفيلم مع موقع سكاي نيوز عربية قائلًا:

 “فيلم ريش يندرج تحت تصنيف (الفنتازيا)، ولا ينتمي إلى زمن أو مكان محددين، لذا أتعجب من اتهام الفيلم بتقديم صورة غير حقيقية عن مصر، مع أن أحداثه من الأساس لا تدور في مصر … كما أن الذي يدقق في تفاصيل “ريش”؛ سيدرك بسهولة أنه أمام قصة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وأنه بصدد خوض رحلة فنية في عالم خيالي تمامًا”.

تحرك قضائي وبرلماني لمنع عرض فيلم ريش

وصل الأمر من قبل بعض الوطنيين الأشداء بالمطالبة بمنع الفيلم واللجوء إلى القضاء لتحقيق ذلك، حيثُ تقدم المحامي سمير صبري ببلاغ للنائب العام ونيابة أمن الدولة العليا في مصر، ضد مخرج الفيلم عُمر الزهيري والسيناريست أحمد عامر والمنتج محمد حفظي بدعوى الإساءة للدولة المصرية والمصريين.

وسبق ذلك، تحرك برلماني قام به النائب أحمد مهني، عضو مجلس النواب، الذى أعلن عن تقديمه بطلب إحاطة لرئيس البرلمان المستشار حنفي جبالي، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة الثقافة، بشأن عرض فيلم ريش المسيء لمصر، والذي يساعد على تشويه الصورة الداخلية لمصر عالميًا.

بيان مهرجان الجونة السينمائي عن فيلم ريش

بوستر فيلم ريش
بوستر فيلم ريش

نتيجة الجدل الذي دار حول فيلم “ريش” أصدر مهرجان الجونة السينمائي بيانًا يوضح موقفه، وجاء فيه:

“يقدر مهرجان الجونة السينمائي ويعتز بكل صناع السينما فى العالم وما يقدمون من إبداعات وتجارب سينمائية متميزة. ويقوم فريق العمل فى المهرجان باختيار الأفلام بناء على جودتها الفنية والسينمائية فقط بمعايير المهرجانات السينمائية العالمية.

وهذا العام وفي دورته الخامسة جاء اختيار فيلم “ريش” للمخرج المصري عمر الزهيري، متسقا مع معايير اختيار الأفلام و ذلك بناء على ما حققه من نجاحات في بعض المحافل الدولية ….. لذا كان اختياره للعرض في مهرجان الجونة جزءًا من الاهتمام بالشأن المصري في المجالين الفني والثقافي عالميًّا، خصوصًا وأننا على مدار 125 سنة من تاريخ السينما المصرية لم يحصل فيلم مصري على جائزة بهذه الأهمية”.

كما منح مهرجان الجونة السينمائي جائزة أفضل موهبة عربية في الشرق الأوسط، التي تقدمها مجلة “فارايتي”، لمخرج الفيلم عمر الزهيري، والمشارك ضمن عروض المسابقة الرسمية.

اقرأ أيضًا: أفلام ممنوعة من العرض في عدد من الدول لأسباب سياسية أو دبلوماسية

فيلم ريش تجربة فنية مختلفة

يقدم فيلم ريش حكاية أسرة مكونة من أب، هو المعيل الأساسي لمتطلبات الأسرة وأم تعيش في كنف زوجها، و3 أبناء، يعيشون حياة تقليدية. وأثناء عيد ميلاد الابن الأصغر يحدث ما لا تحمد عقباه، ويخطئ الساحر الذي جلبوه لتسلية الأطفال ويفقد السيطرة ويحول الأب إلى دجاجة ويفشل في إعادته، وتجد الزوجة نفسها مسؤولة عن كل تفاصيل حياة هذه الأسرة، مع البحث عن حلول لاستعادة الزوج.

بطلة فيلم ريش الممثلة دميانة نصار.
بطلة فيلم ريش الممثلة دميانة نصار.

يعتمد الفيلم على طاقم تمثيل كامل لم يُمثل من قبل، بطلة الفيلم دميانة نصار نشأت بقرية البرشا بملوى بمحافظة المنيا لديها 3 أبناء، وتحب التمثيل من صغرها، فأنشأت فرقة صغيرة بالقرية مع أهلها وأصحابها تحت اسم بانوراما. وفى عام ٢٠١٨ جاءت فكرة الفيلم لعمر الزهيري، وصمم أن يكون أبطال فيلمه وجوهًا جديدة لم تُمثل من قبل؛ فبدأ البحث في قصور الثقافة والفرق المصرية غير المعروفة وأثناء بحثه سافر إلى المنيا، وهناك شاهد فرقة بانوراما، ووقع اختياره على دميانة لتكون بطلة فيلمه الروائي الأول.

شارك أيضًا في بطولة الفيلم سامي بسيون، ومحمد عبد الهادي، وفادي مينا، وأبوسفين نبيل، ونعيم عبد الملك، ومحمد صدقي، ويوستينا سمير، وناصر جلال.

الإشادة بالفيلم الكافكاوي عالميًا

حصل فيلم ريش على الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد الدولي في مهرجان “كان” وهو أول فيلم مصري يحصل على هذه الجائزة، كما حصل على الجائزة الكبرى لمهرجان “بينجياو” في الصين، وتم اختياره ليعرض في أيام “قرطاج” السينمائية في دورتها القادمة.

كتب الناقد جيسون بيرودسكي على موقع The Prague Reporter:

” في هجائه شديد السوداوية للطبقة العاملة في كابوس مصري صناعي، يمزج فيلم ريش ببراعة عناصر من أدب فرانز كافكا: التحول المركزي للأب الذي يوجد بوضوح في رواية التحول، في حين أن البيروقراطية اللانهائية التي تواجهها الأم في جهودها لجعل الأمور في نصابها الصحيح تعد أحد الموضوعات المفضلة لدى كافكا، وظهرت في أعمال مثل روايتي المحاكمة والقلعة.

يسير فيلم ريش بخطى متعمدة ولكنه ليس بطيئًا أبدًا، فلا توجد فيه مشاهد ضائعة فكل تسلسل يعتمد بعناية على سرد مقصود، وهو إنجاز نادر لمخرج في أول ظهور له، ويعد أحد الاكتشافات الحقيقية لعام 2021.”

فيلم ريش ليس الأول

بالتأكيد التعرض للانتقادات هو جزء أساسي في الأعمال الفنية، لكن أن يُهاجم الفيلم في منشئه الأصلي، ويُحتفى به في الخارج ليس بالشيء المعتاد، لكنه للأسف يحدث في عالمنا العربي بكثرة، فمثلًا تعرض فيلم “الزين اللي فيك” المغربي الذي صدر عام 2015 للمخرج نبيل عيوش لحملة انتقادات واسعة من قبل المجتمع المغربي، بدعوى تشجيعه على العُري، واعتباره مسيئًا لسمعة البلد، واستجابت الحكومة لردود الفعل، وتم منع عرضه في القاعات السينمائية.

وعلى صعيد عالمي حصل الفيلم على جائزة لوميير كأفضل فيلم أجنبي ناطق بالفرنسية في باريس عام 2016، وحصلت بطلة الفيلم لبنى أبيضار على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان Gijón السينمائي الدولي 2015.

ولاقى فيلم كفرناحوم للمخرجة نادين لبكي (2018) هجومًا في لبنان بعد عرضه وخاصة من قبل بعض السياسيين الذين رأوا أن الفيلم يُحمل الدولة كل الجوانب السلبية الممكنة وأنه يُظهر لبنان بشكل سيئ أمام العالم، في حين أن الفيلم حصل على أكثر من 20 جائزة دولية وترشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية عام 2018.

كما واجه الفيلم المصري القصير “ستاشر- I am afraid to forget your face” الذي صدر عام 2020 انتقادات مشابهة بدعوى أنه يُحرض على الفساد وهدم القيم الدينية بالرغم من حصوله على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان.

في النهاية، أيًا كان ما بدأ النقاش حول هذا الفيلم، سواء كان سلبيًا أو إيجابيًا، إلا أنه بالتأكيد ساعد الفيلم على وصوله إلى أكبر قدر من الناس وخلق محادثات عن مفهوم الفن ودوره في المجتمع، والتعرف كذلك على مخرج جديد يحمل رؤية مختلفة ويقدم نوعًا من الأفلام التي تخاطر بخلق عالم جديد يدمج بين الخيال والواقع ومع ذلك تشعر بُقربك من كل المفاهيم والأفكار التي يعرضها -حتى وإن تعين على بعض الأشخاص النزول من قصورهم العالية لاستيعابه-.

اقرأ أيضًا: الغارديان تختار “كفرناحوم” لـ “نادين لبكي” كأحد أفضل أفلام القرن 21

0

شاركنا رأيك حول "فيلم ريش: تجربة فنية أثارت الجدل لمجرد تصويرها الفقر بلهجة مصرية"