أنت لم تعد مخيرًا… نتفيلكس يحدد خياراتك في المشاهدة

شاهد مع نتفيلكس
2

إن كنت من هواةِ مشاهدة الأعمال الدرامية الأجنبية من مسلسلات وأفلام، وكنت من مدمني نتفيلكس، فأنت تعرف جيدًا كيف يمكنك الحصول على هذه الأعمال لمشاهدتها، وكيف تطوّرت المشاهدة سنة تلو الأُخرى حتى أصبح الآن نتفيلكس يحدد مزاجنا الشخصي في المشاهدة… نعم أنت لم تُخطِئ القراءة قد تظن أنَّك تختار ما تشاهده، ولكن في الواقع أنت لم تعد مخيرًا تمامًا.

اخترنا لك ونادي السينما وأوسكار سترى ما نقرره نحن

برنامج اخترنا لك

عندما كنَّا أصغر سنًا تعودنا أن نشاهد ما يتاح لنا وألَّا نختار، ففي مصر على سبيل المثال كانت المسلسلات والأفلام الأجنبية محدودةً، ولها أماكن ومواعيد عرض ثابتة، فيوم السبت يمكننا مشاهدة فيلم في برنامج نادي السينما، ويوم الأربعاء حلقة من مسلسل شهير في اخترنا لك، أمَّا يوم الخميس فنحتفي بنهاية الأسبوع بفيلم حاصل على جائزة الأوسكار في برنامج أوسكار، تطوّر الأمرُ قليلًا ليعرض يوميًا على القناة الثانية حلقة من مسلسل أجنبي، وربما يُعرض فلمان آخران في سهرتي يومي الأحد والجمعة، ولكن هذا هو كلّ شيء.

أنت لا تملك حق الاختيار، تنتظر بشوق العمل المعروض داعيًا أن يكون مناسبًا لذوقك كيلا يفسد سهرتك، لا تختار ميعاد العرض، فأنت تضبط يومك وفق ميعاد العرض لا العكس، وأخيرًا كانت القنوات لديها هوايةً خاصةً بعدم عرض باقي الفيلم إذا كان طويلًا، وسيتخطى الوقت المتاح في القناة قبل الإغلاق. لذا، يمكنك أن تشاهد بكلّ تحفز وحماس فيلم ما ليأتي في الدقائق الأخيرة وتستمتع للسلام الوطني، ثم صوت الوش المعتاد لتضرب رأسك في الحائط دون أن تعرف النهاية أو تقترب من معرفتها، تذكّر لم نكن نمتلك إنترنت لندخل ونستكشف النهاية أو نشاهدها، كنَّا مجبرين أن نبتلع تحكم القنوات الكامل بنا دون أن نتخيل للحظة أنَّ هناك في السنوات القادمة بديل قادم بسرعة البرق.

ثورة الفيديو لنشاهد Braveheart ثلاث مرات قبل الأكل وبعده

نادي فيديو قديم

في فترة الشباب كان الاختراع العظيم وقتذاك هو الفيديو، حيثُ يمكنك أن تختار ماذا تشاهد؟ ومتى تشاهده؟ ولا يقوم أحدهم بقطع النهاية التي تشاهدها، عشرات العشرات من شرائط الفيديو المؤجرة، حيثُ تهبط لنادي الفيديو وعينيك زائغة بين الرفوف من كثرة الخيارات المتاحة، تقرأ النبذة الخلفية للعمل، وتحصل على الشريط لتشاهده في وقتك الخاص، إنَّها المرةُ الأولى التي تختار بها ذوقك الخاص في المشاهدة، التي تملك حق إعادة ما أعجبك سواءً من مشاهد أو حتى إعادة العمل بأكمله، أتذكر أنّني قمت بمشاهدة فيلم Braveheart أربع مرات في 48 ساعة هي فترة تأجير الفيلم بالوقت الإضافي، فقط لأستحوذ على كافة دقائق العمل الذي خلب لبي، وظللت كلّ فترة أستأجره مرةً أُخرى لأعيد مشاهدته، وأنا أحمل عميق الامتنان لقدرتي على اختيار ما سأشاهده اليوم.

زمن القرصنة… صديق الملايين التورنت

تحميل بواسطة التورنت

ثم قامت ثورة التكنولوجيا وانتصر محبو الدراما الأجنبية، وحظوا بعصر من الحرية، عصر التورنت، هنا أنت تملك أرادتك لتختار تحميل ما اخترته دون مواعيد أو مشاوير، أنت تشاهد وقتما تشاء، صاحب ذلك ثورة تكنولوجية أُخرى هي مواقع التواصل الاجتماعي، ووجود مواقع مثل: IMDB وRotten Tomatoes، والتي وفرت خدمات إضافية، حيثُ يمكنك أن ترى تفاصيل الأعمال الدرامية وتتعرف على النجوم، وترى الآراء عنها حول العالم، تتناقش مع محبيها، وتصبح عضوًا في نادي المحبين Fan club للعمل، ثم حركة الترجمة النشطة للأعمال إلى العربية، وهكذا تتعرف على المزيد من الخيارات التي لم تكن تدري عنها شيء لتوسّع دائرة مشاهدتك واختياراتك، فأنت تسمع من صديق في جروب للمسلسلات عن عمل جيد، فتقرّر تحميل الموسم الأول منه لتُجربه، ترى إعلان لعمل آخر وأنت تحمل الترجمة لمسلسلك المفضل فتقرّر بعدة ضغطات أن تحمّله، لتتسع مكتبة أفلامك ومسلسلاتك، تنتهي مساحة تخزينية خلف الأُخرى من أقراص صلبة محمولة، لمساحات تخزين عبر الكلاود، وأنت منتشي بقدرتك أخيرًا على اختيار ما تراه عينك، وما يدخل عقلك من أفكار عن طريق الدراما.

نتفيلكس لا بحث لا تحميل لا عدم توافق ترجمات

شبكة نتفيلكس

الحقيقة لفترة ظننا أنَّ التورنت هو مبلغ الأمل، فلا جديد في الأفق حتى بدأت نتفيلكس، من جربه في بدايته شعر بفقر محتواه فزهد به لفترة، إلَّا أنَّ الشبكة في وقت بسيط تطوّرت بشكلٍ مذهل، فهي تحوي الآن المئات من الأعمال الجديدة والقديمة، من ثقافات المختلفة بلغات مختلفة كلها مترجمة للغتك الأم، اشتراكها ملائم ومنوع ويمكن بمبلغ معقول أن تشترك، استهلاكها للإنترنت محدود وأقل بمراحل من استهلاك التحميل، لا تحتاج كذلك لمساحات تخزينية، فأنت تشاهد العمل ولا تحمّله، وعندما تريد العودة له تجده بضغطه زر.

أيضًا مهما كانت الفترة التي ستترك بها العمل الذي تشاهده ستعود لتجد الحلقة في انتظارك في نفس اللقطة التي أغلقت عندها آخر مرة، فلن تستهلك وقتًا لتتذكر هل كنت في الحلقة السادسة أم السابعة.

كذلك انتهت معضلة الترجمات غير المتوافقة، وتحميل نصف ترجمات موقع subscene قبل أن تجد ترجمةً مناسبةً، أو تحميل العشرات من برامج المشاهدة والكودكس لتعمل الترجمة مع الفيلم/ المسلسل.

لقد أصبحت الحياةُ الدراميةُ سهلةً حقًا. افتح البرنامج… اضغط على عملك المفضل… شاهده.

قد تعتقد أنَّنا وصلنا لقمة الحرية في الاختيار لما سنشاهده، ولكن دعني أؤكد لك أنَّ السيارة ترجع إلى الخلف.

ألا لعنة الله على الكسل والتعود

الكسل أمام نتفيلكس

لقد عودنا نتفيلكس على نمط معين للمشاهدة، فبعد أن كان تحميل العمل عبر التورنت، ثم اختيار ترجمة متوافقة له، ثم مشاهدته عمل بسيط وسهل وتطوّر مذهل، مع نتفيلكس بدأت هذه الخطوات تصبح شديدةَ الإزعاج.

فأنت ستبحث عن تورنت جيد وتنتظر أن يتمَّ تحميله، وتبحث عن ترجمة متوافقة وتضبط عناوين الاثنين ليتوافقا، كلّ هذه الخطوات كثيرة جدًا في مقابل فتح النتفيلكس والمشاهدة.

يومًا بعد يوم، ستبدأ في ملاحظة تناقص قوتك التحميلية، فبعد أن كنت تحمل 150 جيجا شهريًا، وربما تحتاج لباقة إنترنت إضافية، بدأت تلاحظ أن باقتك تكفيك، ثم تبقى من الباقة 50 جيجا غير مستخدمة مع نهاية الشهر، ثم يأتي اليوم الذي تكتشف به أنَّك لم تستهلك إلَّا عدّة جيجات بحسبة بسيطة هي تصفحك، وما يكفي لستريم جيد عبر النتفيلكس. عليك في هذه اللحظة أن تلاحظ أمورًا كثيرةً.

مبروك أنت عدت للخانة الأولى، وأصبح نتفيلكس يحدد خياراتك

نتفيلكس شبكة الأفلام والمسلسلات

عندما استخدمت نتفيلكس للمرة الأولى كنت تشاهد عبره الأعمال التي سمعت عنها وأعجبتك فقررت مشاهدتها عبره، وأنت مستمر في تحميل أعمالك المفضلة ومسلسلاتك التي تتابعها، والأعمال التي يقترحها عليك الأصدقاء، ولا تتواجد على النتفيلكس.

ثم بدأت في استكشاف الشبكة لتجد أنَّ هناك أعمالًا تبدو جيدةً ولم تسمع عنها من قبل، فوضعتها على قائمتك للمشاهدة، بل بدأ نتفيلكس وفقًا لاختياراتك يقدّم لك اقتراحات لأعمال ستعجبك، وهكذا بدأت تشاهد مقترحات نتفيلكس.

عندما يخبرك صديق عن عمل جيد فأول سؤال تسأله هل يوجد على شبكة نتفيلكس؟ ثم تذهب لتبحث عنه هناك إن وجدته شاهدته على الفور، وإن لم تجده ستخبر نفسك أنَّك ستضعه على قائمة تحميلك الذي لم يعد منتظم، لتشاهد هذا العمل بعد أن تنتهي من قائمتك على النتفيلكس، وهو ما سيتأخر كثيرًا وربما لن يحدث.

تعود مواسم جديدة لأعمال تشاهدها منذ سنوات، فتجد ثقل في تحميل الحلقات، خاصةً في المسلسلات الأقل شهرةً التي كنت تتابعها، بل قد تتوقف عن متابعة العمل لكسلك من تحميله، وعدم وجود وقت بعد لمشاهدة الأعمال خارج النتفيلكس، بالإضافة للأعمال الشهيرة كـ game of thrones وwestworld التي تجد نفسك مجبرًا على تحميلها خارج الشبكة، وأنت تتساءَل بحنق لما لا تتواجد عبرها.

الآن، أنت توقفت تمامًا عن متابعة أيّ جديد لا يوجد على نتفيلكس عدا عمل أو اثنين شهيرين تتابعهم منذ سنوات وتحمّلهم بثقل شديد، فهي تتحكم تمامًا في نوعية مشاهداتك الجديدة، والتي مهما بلغ عدد معروضاتها فهي محدودةٌ بالنسبة لكلِّ ما يتمُّ إنتاجه ولا يعرض عليها.

أن تُضيع عشرات الأعمال الجيدة؛ لأنَّها لم تتواجد على الشبكة، وتفتح واجهة البرنامج بحثًا عن عمل جديد يشدك عليها، بينما هناك عشرات الأعمال خارجها أنت تتجاهلها.

الحقيقةُ أنَّني فجأة اكتشفت أنَّ نتفيلكس أصبحت تحدد اختياراتي في المشاهدة تقريبًا مثلما كانت تفعل القناة الثانية، مع اعتبار الفروق الزمنية بالتأكيد، فهي توجهني دون أن أنتبه لما تختاره هي، وليس لأفق واسع متنوع أختار أنا ما أريد مشاهدته عبره.

بل مع الوقت سيصبح من يتعاون مع النتفيلكس والبرامج الشبيهة ليعرض أعماله بشروطها هو الفائز الوحيد، بينما تتضرر العشرات من الأعمال الأُخرى – خاصةً متوسطة الشهرة والإنتاج –

الحقيقةُ أنَّ هذه ليست دعوةً ضد نتفيلكس، بل مازالت أعتبره أفضل وسائل المشاهدة الحديثة التي صار من الصعب التنازل عنها بكلِّ مميزاتها الحالية، ولكنَّها دعوةٌ لاستمرار التنوع، ألا ننغلق على ما يتمُّ اختياره لنا عبر الشبكة أو نكتفي بما هو متاح فقط، لنقلص أفقنا بعد سنوات من انفتاحه، ألا نصبح جميعنا نسخةً واحدةً من قائمة الأعمال الجديدة على نتفيلكس.

يمكننا دائمًا أن نشاهد ما يُعرض عليها، وأن نترك خيالنا وعقولنا تركض في أفق أوسع، وخيارات أكثر من مجرد شبكة واحدة.

2

شاركنا رأيك حول "أنت لم تعد مخيرًا… نتفيلكس يحدد خياراتك في المشاهدة"